محمد رأفت سعيد

26

تاريخ نزول القرآن الكريم

كيفية إتيان الوحي إلى النبي صلّى اللّه عليه وسلم صلصلة الجرس : ونتناول مرتبة أخرى وهي أنه كان يأتيه في مثل صلصلة الجرس . فعن أم المؤمنين عائشة . رضي اللّه عنها أن الحارث بن هشام رضي اللّه عنه سأل رسول الله صلّى اللّه عليه وسلم فقال : يا رسول الله كيف يأتيك الوحي ؟ فقال رسول الله صلى اللّه عليه وسلم : « أحيانا يأتيني مثل صلصلة الجرس وهو أشده علىّ فيفصم عني وقد وعيت عنه ما قال ، وأحيانا يتمثل لي الملك رجلا فيكلمني فأعي ما يقول » ، قالت عائشة رضي اللّه عنه : ولقد رأيته ينزل عليه الوحي في اليوم الشديد البرد فيفصم عنه وإن جبينه ليتفصد عرقا « 1 » . وصلصلة الجرس صوت الجرس ، والصلصلة في الأصل : صوت وقوع الحديد بعضه على بعض ثم أطلق على كل صوت له طنين ، وقيل : هو صوت لا يدرك في أول وهلة « 2 » . وهذه المرتبة هي أشد المراتب على رسول الله صلى اللّه عليه وسلم كما ذكر صلى اللّه عليه وسلم ، ويذكر ابن حجر في شرحه لقول النبي صلى اللّه عليه وسلم : « وهو أشده علىّ » أنه يفهم منه أن الوحي كله شديد ، ولكن هذه الصفة أشدها ، وهو واضح ، ويذكر الحكمة في ذلك ؛ أن العادة جرت بالمناسبة بين القائل والسامع ، وهي هنا إما باتصاف السامع بوصف القائل بغلبة الروحانية ، وهو النوع الأول ، وإما باتصاف القائل بوصف السامع وهو البشرية ، وهو النوع الثاني ، والأول أشد بلا شك ، وقال شيخ الإسلام البلقيني : سبب ذلك أن الكلام العظيم له مقدمات تؤذن بتعظيمه للاهتمام به ، وقال بعضهم : وإنما كان شديدا عليه ليستجمع قلبه ، فيكون أوعى لما سمع ، ومن مظاهر هذه الشدة : أن جبينه صلى اللّه عليه وسلم يتعصر عرقا في اليوم الشديد البرد ، ويتفصد مأخوذ من الفصد ، وهو قطع العرق لإسالة الدم ، فشبه جبينه بالعرق المفصود مبالغة في كثرة العرق ، وذكر العرق في اليوم الشديد البرد دليل على كثرة المعاناة ، والشدة عند نزول الوحي ، لما فيه من مخالفة العادة ، وهو كثرة العرق في شدة البرد ، فينزل من الرسول مثل حبات الفضة من العرق في اليوم الشديد البرد ، ومن مظاهر الشدة كذلك : أن راحلته صلى اللّه عليه وسلم لتبرك به إلى الأرض إذا كان راكبها .

--> ( 1 ) فتح الباري 1 / 18 . ( 2 ) المرجع السابق 1 / 20 .